السيد عبد الله شبر

16

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

كتبها عن حياته : إنّ جلساءه كثيراً مّا كانوا يمتحنونه بقراءة متن الرواية ويقطعون السند ، وهو - تغمده اللَّه برحمته - يسترسل بسلسلة السند حتى يوصله بالإمام من أهل البيت صلوات اللَّه عليهم . وقد تكرّر ذلك منه ومنهم حتّى تجاوز حدّ الإحصاء . وهذه الأحدوثة تفهمنا أنّه كان ذا عارضة قويّة وحافظة شديدة واطّلاعاً واسعاً . والحقيقة أنّه لم تكن في ميزانه الباقية ضعف عن هذه ، غير أنّه تعاهد هذه الناحية ونمّاها حتّى ظهرت عليه بارزة ، لأمر لا يخفى على كلّ من ألمّ خبرة بذلك العصر ونزعاته ، وها هو ذا الأستاذ العلّامة فضيلة الشيخ محمّدرضا المظفّر يحدّثنا في مقدّمة جامع السعادات عن القرن الثالث عشر وتولّد النزعات فيه ، فيقول : وهذه الأخيرة خاصّة - ويعني الأخباريّة - ظهرت في ذلك القرن قويّة مسيطرة على التفكير ، وتدعو إلى نفسها بصراحة لا هوادة فيها ، حتّى أنّ الطالب الديني أصبح يجاهر بتطرّفه ويغالي ، فلا يحمل مؤلّفات العلماء الاصوليّين إلّابمنديل خشية أن تنجس يده من ملامسة حتّى جلدها . قال : ومن جهة أخرى يحدث ردّ فعل لهذا الغلو ، فينكر على الناس أن يركنوا إلى العقل وتفكيره ، ويلتجأ إلى تفسير التعبّد بما جاء به الشرع الأقدس بمعنى الاقتصار على الأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها في كلّ شيء ، والجمود على ظواهرها ، ثمّ يدعو الغلو هؤلاء أنّ كلّ تلك الأخبار مقطوعة الصدور على ما فيها من اختلاف ، ثمّ يشتدّ بهم الغلو ، فيقولون بعدم جواز الأخذ بظواهر القرآن وحده من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة ثمّ ضربوا بعد ذلك بعلم الأصول عرض الجدار بادّعاء أنّ مبانيه كلّها عقليّة لا تستند إلى الأخبار ، والعقل أبداً لا يجوز الركون إليه في كلّ شيء ، ثمّ ينكرون الاجتهاد وجواز التقليد . انتهى . وكانت بلاد الكاظميّة وهي من المراكز الدينيّة المرموقة من الأقطار الشيعيّة قد أوشكت أن تصبح قاعدة من القواعد الأخباريّة ، فوجب والحال هذه أن تلمع شخصيّة العلّامة شبر ، وهي شخصيّة علميّة منظورة متسلّحة بقوّة الإرادة ، فعمدت لهذا التيّار وصدّت تلك الشبهات من أقرب الطرق ، وهي الإحاطة بالأخبار والتعمّق فيها ؛ لتكون الحجّة آكد والدليل ألزم ، فكانت حرباً فكريّة من غير تهريج وضجيج ، فرجل يفوقهم